الجاحظ
200
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
[ آراء في الخطباء والشعراء والعلماء ] قال : وخرج عثمان بن عفان - رحمه اللّه - من داره يوما ، وقد جاء عامر ابن عبد قيس . فقعد في دهليزه ، فلما خرج رأى شيخا دميما أشغى ثطّا ، في عباءة ، فأنكره وأنكر مكانه ، فقال : يا أعرابي ، أين ربك ؟ فقال : بالمرصاد ! والشغي : تراكب الأسنان واختلافها . ثط : صغير اللحية . ويقال إن عثمان بن عفان لم يفحمه أحد قط غير عامر بن عبد قيس . ونظر معاوية إلى النخار بن أوس العذري ، الخطيب الناسب ، في عباءة في ناحية من مجلسه ، فأنكره وأنكر مكانه زراية منه عليه ، فقال : من هذا ؟ فقال النخار : يا أمير المؤمنين ، إن العباءة لا تكلمك ، وإنما يكلمك من فيها ! قال : ونظر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى هرم بن قطبة ، ملتفا في بتّ في ناحية المسجد ، ورأى دمامته وقلته ، وعرف تقديم العرب له في الحكم والعلم ، فأحب أن يكشفه ويسبر ما عنده ، فقال : أرأيت لو تنافرا إليك اليوم أيهما كنت تنفر ؟ يعني علقمة بن علاثة ، وعامر بن الطفيل . فقال : يا أمير المؤمنين : لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة . فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لهذا العقل تحاكمت العرب إليك . ونظر عمر إلى الأحنف وعنده الوفد ، والأحنف ملتف في بتّ له « 1 » ، فترك جميع القوم واستنطقه ، فلما تبعّق منه ما تبعّق ، وتكلم بذلك الكلام البليغ المصيب ، وذهب ذلك المذهب ، لم يزل عنده في علياء ، ثم صار إلى أن عقد له الرئاسة ثابتا له ذلك ، إلى أن فارق الدنيا . ونظر النعمان بن المنذر إلى ضمرة بن ضمرة ، فلما رأى دمامته وقلته قال : « تسمع بالمعيديّ لا أن تراه » ، هكذا تقوله العرب . فقال ضمرة :
--> ( 1 ) البت : كساء غليظ .